عرض المقال :طفولتي

 

  الصفحة الرئيسية » موقع نــور الجندلي » نَـزفُ الخَوَاطِر

  عنوان المقال : طفولتي كاتب المقال : نور الجندلي
الزيارات : 3119 تاريخ الإضافة : 22-06-2009

  خيارات :   Bookmark and Share

  حفظ :

 

طفولتي





سلم خشبي




عندما قررتُ الكتابة عن طفولتي؛ رحتُ أقلبُ صفحات الماضي، أنبشُ الذكريات المدفونة، وأوقظ الأحداث النائمة، لتنتبه مجدداً على الورق. ولكنني بعد عناءٍ؛ اكتشفتُ روح الطفولة ما تزال تلازمني في كل مراحلي العمرية، وكأنها الحقيقة الثمينة لم تنفصل عني يوماً، لتمدني بالقوة اللازمة؛ لمواجهة عقبات الحياة بشجاعة ويقين عميقين.

كنتُ الفتاة الثالثة التي تولد في الأسرة على التوالي، فقد سبقتني أختين رائعتين تعرفتا على الحياة قبلي، لألحق بهما أخيراً، ولأحظى بترحيب كبيرٍ لا تناله الفتاة الثالثة غالباً، في مجتمع يعطي للمولود الذكر أهمية كبيرة، ويعقد عليه الآمال في أن يحمل اسم العائلة. مهمشاً دور الأنثى وفاعليتها. لكن والديَّ لم يعتقدا أبداً بتلك الأفكار، ولم يميزا يوماً بين بنت وصبيّ، وكان يدهشني تحريهما العدل في كل مناسبة أو هدية أو إبداء عاطفة، بمشاعر دافئة فياضة.

"
نُورٌ على نُور يهدي الله لنوره من يشاء ... " كان هذا المقطع من الآية سبب تسميني نُـور، وقد سمعت والدتي الشيخ عبد الباسط عبد الصمد يرتلها عبر الرائي، فألهمت اختيار الاسم، وحُسم القرار بعد طول حيرة وتردد في الاختيار، لأنال اسماً لم أتكيف معه في البداية، على أنه اسمٌ ذكوري، لكنني ما لبثتُ أن استشعرتُ جمالَ معناه، فبات في لائحة أهدافي أن أوفّق فيه بين الاسم والمسمّى.. ومازلتُ أسعى...

عشتُ وأسرتي ثلاثة أعوام في وطني الأم سورية، ثم انتقلنا للعيش في المملكة العربية السعودية من أجل ظروف عمل والديّ، في مدينة الأفلاج بعيونها السّاحرة، حيثُ كان لي متسع للمرحِ واللعب فوق الرمالِ الدافئة، واصطياد الضفادع الصغيرة والتنزه على هواي في البراري مع الأسرة والأصدقاء، فكانت ألعابنا تعتمد على الحركة، مختلفة كل الاختلاف عن ألعاب هذا الجيل التي لا تمتد أبعد من كرسي وحاسوب موصول بشبكة إنترنت.

لم أحب الدمى يوماً ولا ألعابَ الفتيات، وكم كان يستهويني الركض وتسلق الأشجار، وصعود الجبال، وخصوصاً بعدما انتقلنا للعيش في الجنوب السعودي الساحر، ومدنُ الضباب الحالمة، حيث الطبيعة البكر، والخضرة والمطر، وحيث تنبعث رائحة شجر العرعر وينمو الريحان البري، الذي كنت أعود محملة بعبقه بعد كل رحلة إلى الغابات.

عندما أصبحتُ في الثالثة اصطحبتني والدتي معها إلى المدرسة، لأكون قريبة منها وهي تمارسُ مهنة التعليم، وجلستُ في الصف الأول سنتين حتى حفظتُ المقرر، وارتأت المعلمة أن أنجح إلى الصف الثاني إذ أنني نلت التفوق بجدارة، وكانت والدتي تخشى أن تثقل المهمة علي لصغر سنّي فأصل إلى مرحلة العجز عن المتابعة، لكنني مع التشجيع والمواظبة كنت أنتقل مرحلة تلو الأخرى، وكلما فكرت بأن أتوقف، كانت علاماتي العالية تشفع لي فأكمل حتى أنهيت المراحل الدراسية بتفوق وقد وفقني الله بأن أكون صاحبة المركز الأول في معظمها. ولولا فضل الله ثم تشجيع والديّ ومعلماتي لما تابعت أو وصلت.

يذكّرني والدي باليوم الأول لي في المدرسة، كنت أصغر طالبة فيها على الإطلاق، وكان قلقاً علي أن أشعر بالغربة أو يؤذيني أحد، لكنه عندما أتى ليعيدني إلى المنزل سمع المدرسة كلها تهتف بأنشودة عذبة باللهجة السورية. وسمع صوتاً صغيراً يرددها فيكررون وراءه، ولما سأل الحارس أخبره بأنها الطفلة السورية قد حشدت الطالبات من الأول إلى السادس حولها، وحولت المدرسة إلى مهرجان من المرح. فابتسم وعرف بأنها ابنته المشاغبة.

في طفولتي أشرفت والدتي على دراستي وإخوتي جميعاً، رغم متاعب الوظيفة وأعباء المنزل وآلام الغربة، فلم تكن لترتاح أو يغمض لها جفن حتى تتفقد فروضنا الدراسية جميعها، تشرح لي ولإخوتي ما أشكل، وتحاول تبسيط المعلومة بتفانٍ. وكانت مصدر فخر لي في المدرسة، وهي المعلمة المتميزة، ثم المديرة الناجحة التي خرجت أجيالاً وأشرفت على تدريب معلمات فاضلات يشهدن لها بالخير. ولازلت أذكر موقفها مطبوعاً داخلي وقد تقرر في أحد الأعوام أن تكون معلمتي لمادة الفقه ، فما كانت تميزني عن الأخريات، أو تتعامل معي داخل الصف بخصوصية، ولما حان موعد الامتحانات؛ قامت بمراجعة المواد كلها معي، ورفضت أن تسألني سؤالاً واحداً في مادتها، فأعطتني بذلك درساً إضافياً في الحياة.

في طفولتي كان البيت خلية نحل قائمة على النظام، وترتيب الأدوار. فلا أحد إطلاقاً يمتلكُ وقت فراغ. كنا نتقاسم المهام بيننا نحن الأخوات، يوم لتنظيف المنزل، ويوم تتولى الواحدة منا تنظيف الصحون. فيما تتولى والدتي أعمالاً كثيرة، كالطبخ، والخياطة والتطريز، وفنوناً أخرى عملت جاهدة أن نلم بها، لتتوثق معرفتنا بهذه الأمور، مما يؤهلنا للتأقلم مع دور الأم المستقبلي دون عناء كبير.

في طفولتي كان أعزّ صديقٍ لي والدي العصامي المكافح، ذلك الظل الظليل الذي طالما أضفى لوناً خاصاً من السعادة على عالمي. فكانت له بصمته مع كل لحظة طفولية حلوة عشتها. وهو الأب المثالي، وطنه بيته، وفي قلب كل فرد منا له مدينة يسكنها. قد غرس معاني النبل داخلي عبر مواقف لا تنسى، وكان ولا يزال يعلمنا كيف يحيا المرء إنسانيته دون قيود. عبر مسيرة حياته وطَّّنَ فيَّ معاني الكرامة والإباء، الصدق والجرأة في الحق، الحب والخير والعطاء، ولم ينسَ تنمية الذائقة الجمالية والفنية والأدبية، وكان للمرح أيضاً متسع.

حكاياته الشيّقة في الأدغال، وهو يقصّها علينا كل ليلة بأسلوبه الممتع، وكأننا نسمع ونرى، فنتعجب ونتأثر، حين يجمعنا حوله فيسردها قصصاً بلا نهاية، يقطعها لحظة احتدام المشكلة، واندماجنا مع الحدث، ليعدنا بإكمالها في يومٍ جديد، لنقضي الليلة نتهامس عن مصير حيوانات الغابة، القرد والنمر والثعبان، وقد أرقنا أمرهم، ونغفو على أمل اكتمال الحكاية في يوم جديد. وقد حوت الفكرة الحكمة والمغزى فساقته بذكاء إلى عقولنا، وطبعته بجمال لتهذب أرواحنا.

في طفولتي كنت أعشق الألوان، أتحاورُ معها كما أحاورُ روحي، ويرسمُ لي والدي بين حين وآخر حصيراً يخط داخله معينات صغيرة، ويطلب مني تلوينها بألوانٍ متناسقة، وأجلسُ منهمكة لأنجز المهمة، وأبدع في غزل حصير جديد، لأصغي بطرب إلى عبارات الثناء والإعجاب، فكأنني رسمتُ الموناليزا.

في طفولتي كان قلبي يطيرُ إلى المساجد، كلما اصطحبني والداي إلى مسجد تاقت نفسي لرؤيته خالياً وأنا أتأمله من قسم النساء، وكم كنت أفرح حين أستطيعُ مشاهدة المنبر، فأحلمُ بصعوده وصعود المئذنة، فكأن قطعة من روحي هناك نسيتها، فمازلت أطمح لاستعادتها، وقد تحقق حلم الطفولة منذ وقت قريب، فصعدت منبر مسجدٍ خالٍ وارتعش قلبي ودمعت عيناي فأحسستُ كم أن مهمة الدعوة عظيمة وكم الأمانة ثقيلة لمن أراد أن يحملها.

في طفولتي حصلتُ على أغلى ما يتمناه طفلٌ مسلم بزيارة الحرمين، مرة أو مرتين في العام، حجاً أو عمرة، يصحبنا والدي متحملاً مشاق السفر براً بين أبها وجدة انتقالاً إلى مكة، ليكسب أجر من يعيل، فنقضي هناك سويعات في جنة الأرض ونمضي بقلوب متجددة.

في طفولتي رأيتُ كل من حولي يصلون ويحرصون على قراءة القرآن، ولا أذكر أن والدتي طلبت مني يوماً أن أصلي، لكنني اتخذت قراري بأن أصلي الفجر وذلك في وقت ما قبل الظهيرة، فتوضأت وصليتُ، ولما انتهيت لم تزجرني أمي أو توبخني، بل دعت لي وأبدت إعجابها بقراري، ومن يومها أحببتُ الصلاة وحرصت ألا أفوّت فرضاً. وكذلك الحالُ مع القرآن.

في طفولتي أحببتُ القصص والحكايات، وقراءة كتب التاريخ، والاطلاع على أحوال الخلفاء والأمراء والأبطال وقادة الجيش، وكم سحرتني سيرهم، وسافرتُ معهم على صهوة جواد الحلم، أسمع قرع السيوف وتكبيرات النصر فأعيشها، وأتمنى لو عادت فتجددت، وتجدد المجد معها.

في طفولتي أحببت تربية القطط، وخططت مع أخي وأخواتي لامتلاك واحدة ؛ ففعلنا. وكانت أمي تكرهها، ومع ذلك لم تمنعنا يوماً من اللعب معها بل كانت تحضر لها وجبتها، وتدعي أنها تقبلتها من أجلنا.

في طفولتي تعلقتُ بالمسلسلات الكارتونية المدبلجة ، فتأثرت بقصصها الإنسانية، وعشت معها وكأن أبطالها من أفراد عائلتي، فقد كانت نقية تغرس المعاني العذبة داخل النفس، على عكس ما يعرض على الشاشات اليوم من عنف وإرهاب وابتذال حرم أطفال اليوم براءتهم، وامتهن إنسانيتهم.

في طفولتي كانت المكتبات تسحرني أينما ذهبت، فأختفي عن العيون لأسترق نظرة إلى كتاب، أو أختلي بمجلة أنا والشعر نبقى لأقرأ ما يروي القلب، وأدون على كراسي الصغير ما أعجبني لأهديه في يوم آخر إلى صديقاتي.

ذكريات الطفولة تتدفق كما النهر، لا يجرؤ أحد على إيقافها، لأنها تجري مع الدماء، وتتجدد بتجدد الحياة. حينما أتأمل عيون صغاري، حياتهم آمالهم وأحلامهم؛ أعرف أن أمامي الكثير لأقدمه، وأقدر كثيراً أن والديّ هما الأروع على الإطلاق، فأبتهل إلى الله أن يوفقني لأحسن تربية صغاري على خير وجه وأحسنه، وفي ذات الوقت أجاهد لئلا أضيع ما غرسه والداي في ضميري.


 


 

 
اضيف بواسطة :         رتبته (   غير مسجل )

التقييم: 7 /5 ( 9 صوت )


التعليقات : 5 تعليق

« إضافة مشاركة »

24-07-2012

20-10-2011

21-02-2010

17-02-2010

02-02-2010

[ 1 ]
اسمك
ايميلك
تعليقك
1 + 3 = أدخل الناتج

المقالات المتشابهة

المقال السابقة
مَدينَةُ الفُصُول الخَمسَة ..
المقالات المتشابهة
المقال التالية
الرَّجُل الصَّغير

جديد قسم موقع نــور الجندلي

عاصمة الياسمين-نَـزفُ الخَوَاطِر

تسجيل الدخول

اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني   
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
القائمة البريدية

اشتراك 

الغاء الاشتراك

مواعيد المحاضرات

الحج

Real Palyer استماع

شرح الاحاديث

Real Palyer استماع

توقيت مكة

 

تصميم : Graceful color   Powered by: mktbaGold 5.2