عرض المقال :حُروفٌ على سجيّتها

 

  الصفحة الرئيسية » موقع نــور الجندلي » نَـزفُ الخَوَاطِر

  عنوان المقال : حُروفٌ على سجيّتها كاتب المقال : نور الجندلي
الزيارات : 1567 تاريخ الإضافة : 26-02-2010

  خيارات :   Bookmark and Share

  حفظ :

 







حُروفٌ على سجيّتها ..





نور الجندلي




بداية

هي أوراقٌ كتبتها على سجيتي في أرض الحرمين ، أعيد كتابتها هنا لأهديها لكل مشتاق لأن يسافر رحلة العمر ..

أسأل الله القبول .

-1-
على طريق القوافل



تتبعاً لخطوات سلمان الفارسي، ذلك الفارس القادم من أصبهان فبلاد الشام ثم الموصل .. متوجهاً إلى أرض الجزيرة العربية ، تحرّقه أشواق اللقاء، ويحركه شغفٌ دفين لاكتشاف الحقيقة لدين يأتي به رجل في أرضٍ ذات نخل بين حرّتين لا يأكل الصدقة ويقبل الهدية وبين كتفيه خاتم النبوة لكي يلقاه ، فيعلن أنه مسلم حقاً، فينطلق ليعلن إسلاماً حقاً، وتكون له يدٌ عليا في انتصار ساحق يوم الخندق فتعلو راية لا إله إلا الله محمد رسول الله ..
وتأملاً للقوافل السائرة من الشام إلى الحجاز عبر طريق من ودٍّ لا ينقطع ولن ينقطع أبداً بإذن الله ..
كانت خطواتي إلى هناك ..
أطلقُ لبصري عنان التحديق في ظلمة، فيقطع بي المسالك والقفار ، ويخيّل إلي أنني في قافلة مسافرة إلى هناك، لكنني اليوم أبحثُ عن حقيقة قلبي، هل تراه قد وفّى ما جاء به النبي الكريم في الأرض ذات النخل لما أشرقت دعوته، أم أنه يحتاج لأن يتكبد مشقة أكبر في محاولة الفهم ليحوز على طعم الفرح بالوصول ..
ليلٌ وقمر .. أرضٌ وسماء ..
ترى .. ماذا يتمنى المحبُّ ليوقد فتيل الحب أكثر من ظلمة ونجوم تعلمه كيف يبرق الثمين رغم السواد ..
ماذا يحتاج الشاعرُ حين يكتب قصيدته أكثر من أرض باستواء الورقة، وسماء تطالعه ليبحر فيها فيكتب أجمل ؟!
ما الذي يملأ محبرة الأديب أكبر من حب ؟!
آهٍ ما أغلى الحب الذي يلجمنا فلا نقوى على الحديث عنه ..
وما أروع الحب الذي يسلبنا لغة الكلام ..
فتسيلُ الدموع بصمتٍ، تشتاقُ للقاء طال انتظاره ..
وما أجمل الحب الذي ننتظره طويلاً، فلا يلبثُ ويأتينا بغتة لنفاجأ بكم كبير من الجمال يسكننا .
من قال أن قطع المفاوز والقفار مشقة ؟
ومن ذا الذي يتأوه من عناء رحلة فيها الشفاء ؟ لقد تلاشت كل معاني المشقة التي أعرفها، وتلاشى الإحساس بالخوف والتعب والوحدة والغربة .
رغم أن المرض قد داهمني منذ أيام ، إلا أنه الآن قد غدا رفيقاً صامتاً فلم يعد يشعرني بوخزات الألم التي كانت تغير علي بين الحين والحين ..
رحلة إلى طيبة الطيبة ، ومنها إلى البيت العتيق ..
وكأنني أرى جنةً في الدنيا قبل الوصول، وكأنني أعيشُ فردوساً حلمتُ به ، وهاهو الحلم يرافقني طوال الطريق .
 


-2-
ولاحت طيبة ..



ولاحت أخيراً طيبة الطيبة ..
مع تسلل خيوط الفجر إلى الأرض، استيقظت الحسناء من نومها، وطلع الصباحُ على نورها فزادها إشراقاً وجمالاً ..
ما أحناها من أرض تستقبلك بحب ينساب في كل ذرات كيانك، تحتويك وتحنو عليك كطفل صغير، وتربّت على كتفيك لتواسي ألم الفراق ولوعة الاشتياق ..
سماءٌ زرقاء .. ونخيلٌ في كل مكان ..
وترابٌ طاهرٌ تمنيتُ أن تُقطع بي الأوقات سريعاً كي أتلمس طهره ..
وكم جيّشت عليه من جيوش سارت لنشر الإسلام ، وكم سارت عليه من أقدام طاهرة متوضئة لعبادة وعمل ودعوة .. وكم ستسيرُ عليه أقدام مؤمنة .. حتى قيام الساعة .
وصلنا أخيراً إلى الفندق، لتستقبلنا وجوه أهل المدينة الطيبة البشوشة، ولترافقنا دعواتهم في كل خطوة ، ولتزيد من أشواقنا إلى المسجد النبوي الذي لاحت مآذنه قريبة منا ..
وحطت قدماي أخيراً على الأرض ، وقفتُ أستشعرُ دفئاً آسراً لم يغمرني منذُ زمن طويل ..
وكان اللقاء ..



-3-
إلى المسجد النبوي



الخطوات إلى الحرم تشعرك أنك تعتلي سلماً يمتدُّ نحو السماء ..
أوليست كل خطوة ترفع خطيئة وتضيف حسنة إلى صحيفتك ؟!
وقبل أن ينادى إلى الصلاة من تلك المآذن العظيمة تحضّر الجميع وتطهروا وتعطروا، أما النساء فقد عطرتهن دموع حبّ عظيم لمن يستحق الحب وكل القلب ..
على الطريق ارتفع الأذان يهزّ في داخلي مشاعر كثيرة ..
بكيتُ كما بكى أهل المدينة عندما أذّن بلال هناك بعد طول انقطاع له في أرض الشام ..
صوته هيّج الأشواق القديمة ، وذكرهم بتلك الأيام العظيمة التي عاشوها ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم وبينهم ..
بكت المدينة يومها من شرقها إلى غربها .. من شمالها إلى جنوبها .. شوقاً وحباً ..
وها أنا اليوم يبكيني حنين للماضي، حنين لتلمس معاني الأذان حيّة في عالمنا، حنين لإعلاء كلمة التوحيد، واستشعار أن الله تعالى هو الأكبر من كل كبير، والأعظم من كل عظيم .. حنين لأن أرى الخير ينبتُ من جديد في كل قلب، كما نبتت شجرة من طيب في داخلي وأنا أهتف .. " اللهم افتح لي أبواب رحمتك " ..
وصلتُ .. وكانت الصلاة الأولى هناك بطعم رائع لا ينسى .. ولقاء لا تترجمه الحروف مهما كتب الحبر على الصحاف .
في المسجد النبوي تلفتُّ حولي .. فشعرتُ بحجم تقصيري لما رأيتُ من صنيع النساء هناك ..
كثيراً ما تأخذنا العواطف بعيداً وننسى أن العواطف بداية تقود إلى عمل ..
كم أغبطكن يا حفيدات المهاجرين والأنصار .. وقد رأيتكن تخدمن الدين بإخلاص ..
فما أن انقضت الصلاة حتى رأيتُ الواحدة منكن تحرصُ على الدعوة إلى مجلس العلم في المسجد وتحدد موعده للحاضرات ..
وأخرى تطوف بطعام وشراب تقدمه للصائمات وعابرات السبيل ..
عادة أهل الصفة لم تنتهي ولم تزل .. فهي باقية متوارثة منذ ذلك الزمان ..
رأيت الفتاة منهن قد جمعت حولها نساء من أجناس وأخلاط شتى ، وأخذت تعلمهن تجويد الفاتحة والإخلاص وقصار السور بصبر واهتمام ..
ورأيتُ أخرى قد وقفت ترشد العابرات بمحبة وود لا يوصفان ..
ورأيتُ في المسجد تباشير الخير تعلو وتعلو .. فكأنني أرى النصر آتٍ إلى الأمة منطلقاً من مساجدها .. وكأنني أرى الأرواح تسمو وتهفو إلى عطاء ..


ورحتُ أسألُ عن موعد دخول النساء إلى الروضة الشريفة .. لعل الله يمنّ علي بعبادة هناك ..



-4-
من رياض الجنّة



وأتيتُ الروضة الشريفة مشتاقة، في فجر جمعة رائعة ..
وتأملتُ حشود المسلمات ينتظرن بشوق تلك اللحظة التي تفتح فيها البوابة فيتم العبور ..

‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏رضي الله عنه، ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏: " ‏ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة "

الكلُّ مشتاق، الكل ينتظر .. الكل قد أخذ التعب منه حده ..!
نظرتُ إلى الآلاف المؤلفة حولي من النساء.. كان منظراً رائعاً مهيباً ..
لقد تجمعن على حسب الأقطار والأمصار ينتظرن الدخول ، وفوداً مشتاقة تتنوع هوياتها، وإسلامها واحد .. ولاحت لي شاخصة بلاد الشام، فانضممتُ إلى الركب أنتظر الوصول ..
هاهو وفد بلاد الشام .. نساء فلسطين وسورية والأردن ولبنان وفي جوارهن نساء أرض الكنانة يترقبن، يقضين اللحظات في صلاة أو تلاوة قرآن أو ذكر ونصح حسن .
وحانت اللحظة، ووقف الجميع ينتظر، وخيّل لي أنه يوم المحشر ، فارتعدت الأطراف واهتز القلب هلعاً، وسمعتها حولي من نساء كثر .. ربّاه رحمتك .. كأنه يوم المحشر !
وبدأت أسمع توصيات بالحذر، وعدم التدافع والدخول بسكينة ووقار، ورأيت نساء يتناصحن لأن يكن درعاً يصد أي تدافع حرصاً على أخواتهن في الإسلام ..
وطال الانتظار ، وتعبت الصحبة معي من نساء كبيرات في السن ، فعدنا أدراجنا ولم ننعم بفرح الوصول .

...

عوضنا الله خيراً ظهر السبت
فكانت صلاة في الروضة الشريفة، على سجاد عشبي طاهر جميل ..
وكان ارتواء لروح اشتاقت وتاقت للوصول، وتعطشت لحسن الوقوف ..
ولاح المنبرُ شامخاً عظيماً من خلف الحاجز ، ولاحت لي أمجاد أمة أُنجزت وتحققت من أصداء منبر ..
وتألمتُ كما تتألم المنابر اليوم وتشكو أجساداً تحضر وقلوباً تموت !
وقفتُ أتهيأ للرحيل ..
وكان الصمت أبلغ من الكلام ..
وحان الوداع الصعب ..
فالقلب قد تركته هنا، فبأي شيء عساي أعود؟!



-5-
ولاحت مكة



وأحرم الجميع من ميقات أهل الشام ..
في الميقات تشعر باقتراب الخطى إلى البيت العتيق.. ولستُ أدري .. هل لملابس الإحرام دورٌ في تحريك الشوق أكثر ، أم أن التهيؤ ومنظر البياض حولك يزكي في داخلك هذا الشعور !
لاوقت هناك للكلام، لاوقت للانشغال بأي شاغل، فالكل منشغل بتهيأة نفسه على أحسن وجه يرضي الله تعالى ..
وقتٌ قليلٌ مضى، وصعد الركاب الحافلة، وبدأت العجلات تتحرك، وبدأت الأصوات تتوحد، تتكاتف بنداء عظيم واحد .. لبيك اللهم لبيك ..
ورفقة الخير لا تتركك، الكل ينصحُ بحب، ويعلم بأدب، ويآخي بود .. والدعاء لا يفارقك بألوان شتى يزورك، يمنّيك لأن تصل ، فتقبّل أرض الحرم الطاهرة، وتبللها دموع شوقك ..

....

وعلى مشارف مكة ، يذوبُ القلبُ بين الشّعاب حباً، وهو يتأمّل مشتاقاً كل جبل وشجر وحجر ..
يزيده سكونُ الطبيعة خشوعاً، فكأنّ الروح في سجود متأمل لبارئها العظيم تلهج بحب .. سبحانك ما أعظمك ! وتدمعُ العين كلما ارتفعت نداءات التلبية ، وكلما اقتربت الخطوات إلى البيت العتيق .
هنيئاً لكم يا أهل مكة ، وملائكة السماء تتعاقبُ فاردة أجنحتها في رحاب البلد الحرام ، تكاد تستشعرُ وجودها في كل مكان، تنظرُ في السماء فتتسلل السكينة إلى قلبك، ولا تملكُ لحظتها إلا أن تكون مسلماً موحداً لله .

....

أخيراً .. تلوحُ مآذنُ البيت العتيق لتضيء القلب كما تضيء المكان، ولتستيقظ أنوار الروح معلنة فرح اللقاء .
شيءٌ ما في قلبي أشعرُ به قد فارقني ورحل إلى هناك، فأعد الدقائق لأحصله، وأستعجل الإجراءات الرسمية كي أحلق في أفق رحيب ، وتحين الساعة المحددة لأداء العمرة، وتسبقني الخطوات إلى هناك ..
ياللمهابة .. ياللجمال .. !
اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً ..
كلُّ العيون دامعة، وكل القلوب خاشعة، البعض يرى البيت العتيق للمرة الأولى في حياته. يكفي أن تنظر في وجهه فتقرأ كل لغات الحب وتفهم سر العبودية الذي أودعه الله تعالى في قلوب الخلق .
وتمرُّ اللحظات أجمل ما تكونها لحظات في عمر مسلم، ويمنُّ الله على عبيده الذين أتوا إلى بيته من بلاد بعيدة بعمرة طيّبة يحار الفكر في تجسيد معانيها حيّة على الورق .



-6-
ومَضَات في مكة ..



عِبادة ..

من نعم الله تعالى على زائر البيت الحرام، أن جعل في تأمل الكعبة المشرّفة والنّظر إليها عبادة ..
فالقلبُ يطيرُ إليها قبل البصر، والروح تطوف حولها قبل الجوارح، والنفسُ تهفو إليها في كل حين ..
فسبحان من أودع في القلوب حب البيت العتيق وحب تأمله، وسبحان من أودع أنوراً روحية يستأنسُ بها المسلمُ كلما أطلق النظر إلى الكعبة المشرفة يسقي قلباً طال شوقه، ويحتسب في النظرة عبادة ، أروع عبادة !

.....

متسولون !

أوجعني النظرُ إليهم والتحديقُ في أطرافهم المقطعة، وأجسادهم المشوهة، كلما مررتُ قرب أحدهم سألتُ الله العفو والعافية، وحمدته أيضاً على العافية ..
بدا لي منظرهم مريباً وكلهم يمتلكون ذات العاهة، وأطرافهم مشوهة بذات الطريقة، وحرضني الفضول لأسأل عنهم، فإذا هم فئة من البشر مُعدمة، يقوم أفرادها بتشويه صغارهم لاستعطاف الناس، ولاستدار المال منهم .. وكم أسفت .. على بشر يفنون حياتهم من أجل لقمة طعام تدخلُ إلى جوفهم ، ولو علموا أن رازق الطير يرزقهم لما أجرموا على تلك الأجساد الصغيرة تشويهاً وتقطيعاً ..
كيف تقسو القلوب من أجل حفنة نقود، وكيف تفتقدُ الإنسانيّة من أجل فناء ..
تألمتُ كثيراً في خطواتي ذهاباً وعودة إلى المسجد الحرام ..
ونظرتُ إلى عيني صبيّة منهم في مثل سنّي تأمل العابرين والعابرات، وخطر لي أن أفكّر لحظة بعقلها هي، فتمنيتُ أقداماً تأخذني إلى الحريّة، وتمنيتُ مفاتيحاً تفك أغلال العبودية في زمن اندثرت فيه ااعبودية إلا من عقول جاهلية، وتمنيتُ كتاباً ومدرسة وبيتاً آمناً يغني عن نوم الرصيف، وتمنيتُ ابتسامة في وجهي تحيي في داخلي معاني الإنسانية .. وتمنيتُ أشياء كثيرة فاستعبرتُ وبكيتُ ومضيتُ عازمة على هروب من أفكار لا يقدرُ قلبي على حملها .. فارتضيت الصمت بديلا .



-7-
ولادة جديدة !



وعُمرة تتلو عمرة، وصلاة تعقبها صلاة ..
تلبس قلوبنا أثواباً بيضاء جديدة ، وترتدينا روح متجددة .. في إقبال على الله ..
" العمرة للعمرة كفّارة لما بينهما "
هناك في مسجد التنعيم تنطلقُ النوايا لاعتمار، وتلحظ في الوجوه كل معاني البشر، وأغلى معاني القرب
تنطلق المركبة ، ومعها تعلو التلبية ، ويطير القلب شوقاً إلى المسجد الحرام ..
ما أروع الرحلة من مسجد إلى مسجد، من عبادة إلى عبادة، من طهر إلى طهر !
تنسى هويتك وعنوانك، بيتك وأهلك ، وتتوحد بالمكان والزمان لتغدو كائناً مختلفاً يجيدُ التحليق قرب نجمة، أو امتطاء غيمة ، أو السير بأشرعة السعادة في آفاق الحياة .



-8-
لقاءات أخويّة



اللقاءُ الأول ..

لم أعد له العدّة ولم أحسب له حساباً ..
رافقتني منذ سنوات ست عبر القلم ، التقينا في عالم دافئ .. تحديداً في واحة الأدب .. ولم يخطر ببالي أن نلتقي حقيقة على أرض الواقع ..
وقد كنتُ في بداية تعارفنا أظن شبكة الإنترنت وسكانها ضرباً من الخيال ..
تصافحت أقلامنا كثيراً والتقت أفكارنا أكثر .. وأكبرتُ تلك الروح لما تحملُ من جمال داخلي وتميّز أدبي ..
مكالمة على الهاتف وفّت بالغرض ..
والتقينا بعد أيام على أرض الحرم الطاهرة ..
مازالت حلاوة ذلك اللقاء باقية في روحي لن تزول مع الزمان .. فبعض الأشخاص يتركون حضوراً لا ينسى لما يغرسونه خلال اللقاء من قيم ومعان رفيعة ..
افترقنا .. وفي قلوبنا يعبق أريج الدعاء ..

اللقاء الثاني ..

بجمال وبساطة، ودون أدنى تكلف، كان اللقاء ..
وكأننا نعرف بعضنا منذ أعوام، وكأننا التقينا قبل ذلك مرات ومرات ..
أليس جميلاً أن يولد في طريق عبورك قلب جديد فترى جانباً منه لم تكن تراه قبلاً ..
أليس جميلاً أن تتصافح الأيدي آتية من بلاد بعيدة وقد كانت تتصافح الكلمات أو تتحاور عبر أزرار الحاسوب ..!
لقاء بأخت جديدة انتهى سريعاً وقد خلف في داخلي كثيراً من المودة والسكينة ..
وكم سألت الله لها السعادة والرضا وحسن القبول .

اللقاء الثالث ..

خططنا له طويلاً وحلمنا به طويلاً .. وما كنا ندري .. هل تراه الحلم سيتحقق يوماً ؟!
حين تلتقي القلوب على مبدأ وتتوحد على رسالة سامية، وتتعاهد على دعوة .. حتماً سيكون للقاءات طعم آخر ..
قلت لها يوماً كيف سيكون اللقاء ..
فأجابتني قائلة ..
مهابة المكان ستفرضُ ولاشك نفسها لترتقي بنا أكثر وأكثر، لن نجعل منه لقاء عادياً، بل ستكون منه انطلاقة إلى حياة أجمل في ظلال الطاعة والإيمان ..
للمرة الأولى أيضاً في حياتي ألتقيها .. وقد كنت ألتقيها كل يوم على شاشتي ، فكأننا جيران في مبنى أخوة واحد، وكأننا صديقات معهد واحد .. معهد الأخوّة في الله ..
تعسّر اللقاء كثيراً حتى كدنا نفقد الأمل .. ولعله كان درساً لتجديد النوايا وحسن اللجوء إلى الله ..
قابلتني بعد عمرة أدتها في الطابق العلوي أمام الكعبة المشرّفة ..
وغرست في قلبي شجرة طيبة مازالت فروعها تمتد وتمتد حتى إنها لتطاول عنان السماء ..
لم أشأ توديعها ، مادمنا سنلتقي مجدداً أو نخطط كما كنا نخطط سابقاً .. في الجنة نلتقي بإذن الله تعالى ..

....

لن أنس قلوباً أحبت ورافقت ودعت وتمنت أن يكون لنا لقاء هناك ..
ولم أنس أن الهدف من الرحلة قد تحقق وأثمر، فسألت الله لي ولهن القبول ..
وانصرفتُ وفي قلبي طاقة ورد تركتها في قلبي لقاءات أخويّة ومشاعر مودّة سألت الله أن يجعلها في صحيفة الخير والحسنات .



-9-
موقف هزّ مشاعري



بعضُ المواقف تدفعك في كثير من الأحيان لأن تكتب عنها، لأن تخلدها على ورق .. وبعض المواقف تهزّ مشاعرك هزاً، فلا تملك إلا أن تسطر تأثرك بها ..
وكم تأثّرتُ بتلك السّيّدة الدمشقيّة التي رافقتنا في عمرتنا، وهي امرأة عصاميّة لا تملكُ من حطام الدنيا إلا بيت يأويها، وغرفة صغيرة في ضاحية نائية تؤجرها بثمنٍ بخس، وتجمعُ ما تحصّله لتأتي به سنوياً في عمرة !
وقد منّ الله عليها هذا العام بأن قبضت مبلغاً إضافياً، فما كان منها إلا أن أتت ببناتها معها لتتكفّل بعمرتهن وهداياهن لأطفالهن وسائر نفقاتهن على قدر ما تستطيعه ..
وهي تردد دائماً بقلبٍ مفعم بالرضا ..
في كل عام يضيق بي الحال وأفقد الأمل من القدوم، ولكن عندما يحين وقت العمرة تتيسر الأمور بشكل عجيب، ويرسل الله لي من يعين .
امرأة كبيرة في السن تحملُ أمراضاً شتى، ترافقها حقيبة أدوية تتناولها بحمد وشكر والبشاشة لا تفارق محيّاها ..
قدّرها الله أن تعتمر كل ليلة على مدار سبع ليال.. وكلما مررتُ بها وجدتها في عبادة، وتتنوع العبادات والقلب مسلم عامر بالخير .. فهنيئاً لها بهذا القلب وهنيئاً له بهذه الروح العذبة ..
وكم هيجت في قلبي الأسى وأنا أرى أصحاء متكاسلين وأغنياء موسرين لم يفكروا في زيارة الحرمين مرّة في العمر، وهم في كل عام يتنقلون سواحاً من دولة إلى أخرى ..
فسبحان من وضع ميزان العدالة ليحكم بين الناس بالتقوى ..
.....
لما تعارفنا سكن قلبينا ود كبير ، وأهديتها نسخة من رؤى .. ومن القلائد ..
بعد يومين جاءت تودعني وفي عينيها دمعة ..
قالت بحب .. أتقبلين صداقتي .. وأن نستمرّ بعد الفراق على اتصال ..؟!
لو تعلم تلك المرأة أنني أحوج ما أكون لرفقة مثيلاتها من أهل الخير، وبأنني أفقر ما أكون لأتعلم منها كيف أرى الحياة بمنظار السعادة لما طرقت بابي ولا تكلمت ..
وكم حدّثتُ نفسي أن أعرض عليها صداقة في الله .. وتواصلاً في الله .. لكن السبق لمن سبق .



-10-
مدنٌ لا تنــام ولحظات وداع !



المدنُ هنا لا تنام، ولا يغمض لها جفن حتى طلوع الفجر ..
قد تهدأ قليلاً قُبيله، لا لنوم وراحة، ولكن لوقوف حسنٍ بين يدي الله عز وجل .
الكلّ يعيشُ في عبادة دائمة، في جنّة دائمة، والكلّ لا يتهاون في عمل أو أداء لواجب .
وليت المدن الساهرة على أنغام زائلة تتعلم معنى الحياة من مكة وطيبة الطيبة .. ذلك المعنى الذي يتجلى نورانياً في قلب مدينتين كل من فيهما يوحد الله .. البشر والحجر ، النخل والشجر ..
عدنا إلى المدينة المنورة، ليكون لقاء ووداع في آن معاً ..
لكِ الله يا مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
كم لكِ في القلب من مكان !
...
وتتلاحقُ لحظاتُ الوداع ..
وداع أحبّة ومدينة ومكان ..
وكان الوداع طيّباً بمسك الختام ..
زيارة إلى قباء ومسجد القبيلتين ، ووقفة متأملة عند ذلك الجبل الحبيب جبل أحد ..
" أحدٌ جبل يحبنا ونحبّه " ، " اثبت أحد ، فإن فوقك نبي وصدّيق وشهيد " !
اهتزّ الجبل لصعود النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكيف لقلبي ألا يهتز عند اقترابي من ذاك المكان، أتراه كان من حجر !
صعدتُ إلى جبل الرماة أتذكر معركة حامية الوطيس كانت لنا في الإسلام فخراً، تذكرت مواقف بطولية عظيمة كانت هنا، وتذكرت سيد الشهداء حمزة، وقد استشهد بطلاً مغواراً عظيماً ..
كم من دماء طاهرة عطرت هذا التراب، وكم من أمجاد سطرت على هذه الأرض الطيبة ..
أعلن الرحيل ليخطفني من هالة آسرة لتاريخ عطر ..
وحانت لحظة الوداع ..
أستودعكِ الله يا مدينة رسول الله ..
أستودعك الله يا أرض الحرمين ..
طبتِ وطاب المقام في رحابك .. دمتِ طيبة طاهرة منورة إلى يوم الدين .

....

على طريق العودة، تتزاحم الأشواق في داخلي ، تجرفني إلى حب يسكنني، إلى أطياف شتى تلاحقني ، تسافر معي أينما سافرت ..
وشعورٌ غريب يحتلني، هو مزيج من فرح وحزن، بسمة ودموع في آن معاً ..
أتمنى أن أصل إلى الديار أن أقبّل تراباً طاهراً تفصلني عنه مئات الكيلومترات .. أتمنى لو أنحني لله في سجدة شكر طويلة على أرض الوطن .
الصحراء تحيط بي من كل ناحية ، رمالها الجافة وصخورها القاسية وأعشابها الشوكية تطرق أبواب حزني، وتشعرني في ذات الوقت بدفء وصفاء كبيرين . تعيد لي روحاً افتقدتها منذ زمن طويل .
طلع القمر أخيراً ، بصمته الجريء ، وحضوره الآسر ، وأطل علي ببعض نوره لينسكب على الورقة، ويساعدني على قراءة حروف أكتبها في ظلمة، حيث الكل نائم ، إلا هذا القلم ..
أتصفح ذكرياتي القديمة في كشكولي الأسود الصغير ، وأبتسم للمستقبل ..
هل تراه سيسعفني لأن أجددها ، وهل سيسعفني العمرة لرحلة أجمل ؟!
صمت المداد ونطق القلب .. اللهم تقبّل .

 
اضيف بواسطة :   نور الجندلي       رتبته (   مشرفة عامة )

التقييم: 7 /5 ( 2 صوت )


التعليقات : 5 تعليق

« إضافة مشاركة »

25-08-2012

سارة ..

ألهبتِ مشآعرِي ، وكيفَ تتحدّثُ أخرى عن حلمِ لآ ينتهِي ، ولم تزرهآ بعدُ ..

04-01-2011

نور الجندلي

أختي العزيزة سلوى، رفعتِ مع الموضوع أشواقاً كثيرة لا يمكن لها أن تنطفئ، كلما ازداد العمر يوماً ازدادت نيران الشوق في القلب، رزقنا الله وإياك زيارة قريبة، وعطر قلوبنا وأرواحنا بعمرة تعيدنا كيوم ولدنا... دمت بألف خير

04-01-2011

نور الجندلي

الغالية وصال، وهكذا أنتِ عميقة في حرفك، عميقة في فكرك، دمتِ ودام قلبك

04-01-2011

سلوى سعودي

سيدتي الغالية عرفتك مذ فترة والآن آن الأأوان لأستطيع التاوصل معك من خلال رحلة شوق أحييتها في قلبي رغم أني كنت في عملي..على مكتبي..إلا أنني لم أستطيع حبسها
آه كم أيقظت منالشجون
أحضرمت نار شوق لم تنطفئ..آه كم أنا في شوق للعودةةكم أعشق العمرة وكم أعشق طريق الصحراءوكم أعشق التعب المرافق للسعي
وكم أعشقها من ساعات وصفت فأبدعت ماشاء الله سلمت
يمناك

13-11-2010

wisal

هكذا الحب لوعة وامتثال ...واشتياق يصاغ في تضحيات إن صدق المحب يبدو جليا في عيون بالدموع مغرورقات ...دعائي ان نجتمع سويا بأرض الحرم وأمام المقام عل قلبا يروى وروحا تسكن للمكان وللرفقة جزاك الله خيرا

[ 1 ]
اسمك
ايميلك
تعليقك
6 + 6 = أدخل الناتج

المقالات المتشابهة

المقال السابقة
المقالات المتشابهة
المقال التالية

جديد قسم موقع نــور الجندلي

تسجيل الدخول

اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني   
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
القائمة البريدية

اشتراك 

الغاء الاشتراك

مواعيد المحاضرات

الحج

Real Palyer استماع

شرح الاحاديث

Real Palyer استماع

توقيت مكة

 

تصميم : Graceful color   Powered by: mktbaGold 5.2