عرض المقال :وانزَاحَت صّخرة الهموم

 

  الصفحة الرئيسية » موقع نــور الجندلي » قُطُوفُ المَقَال

  عنوان المقال : وانزَاحَت صّخرة الهموم كاتب المقال : admin
الزيارات : 1572 تاريخ الإضافة : 03-04-2011

  خيارات :   Bookmark and Share

  حفظ :

 

وانزَاحَت صّخرة الهموم


نُـور الجندلي


كانوا ثلاثة، يحملُ كلّ واحد منهم العالم في داخله، لو أنه سرد عليكَ قصص الطفولة والشّباب، لو أنه حدثك عن التجارب التي مرّ بها، لو أنه أخبرك عن كلّ الصعاب التي واجهها، الأشخاص الذين قابلهم، الأماكن التي زارها، لما استطاعت أيّام القادمة أن تكفي لتدوّن أحاديث الماضي بدقّة، فكلّ شخص منّا وإن كان فرداً واحداً في هذا الكون الفسيح، إلا أنه يحمل الكون داخله بطريقة أو بأخرى، بالتجارب والمعارف، بالخبرات والعلوم، بالأحلام والأوهام، بالرغبات والتطلعات، وهكذا كان الثلاثة حين دخلوا الغار ليبيتوا فيه، فأطبقت عليه صخرة ضخمة!


كان وقع الأمر على قلوبهم وكأنه الصّاعقة، وكأنهم رأوا الموت بعيونهم، وشعروا به أكثر ما يكون اقتراباً منهم، وبدأ شيء من اليأس يزحف إليهم، والخوف بجيوشه يدبّ في قلوبهم، ولمشاعر الخوف حين تغزو القلوب سطوة وعذاب قد تفوق الواقع وتنتصر في النيل من كل مستسلم لها، وكم من خوف قتل صاحبه، فكان كمن مات خوفاً من لدغة العقرب وقد كان بوسعه احتواء انتشار السّم في أنحاء جسده وإنقاذ حياته، لكنهم حين دخلوا الغار كان كلّ واحد منهم يحمل زوادة خاصّة لم يخبر بها أحداً، قد خبأها في دفاتر العمر بعناية، واحتواها بقلبه كما يحتوي الجواهريّ أثمن ماسته، ليخفيها عن العيون، وهكذا احتفظ كل واحد بخبيئة عمل صالح، كان الأغلى لأنه فعله بكلّ إخلاص ممكن، فعله ابتغاء وجه الله، لم يُذعه على الآخرين لأنه أدرك كم هو رائع أن يحتفظ المرء بشيء خاص بينه وبين ربّه، شيء قد لا يراه قيماً في حينها، لكنه في أي حال يغدو أسعد الناس حين يقوم به، لأنه يسمو به، يتجاوز الطين في إنسانيته، وتظهر بجلاء روح الله التي نفخها فيه...


فكان أن اقترح أحدهم أن يتوجهوا جميعاً لله بأن يزيح عنهم الغمّة بصالح أعمالهم، وهكذا فكر كل واحد، وبحث في أوراق العمر، فانتقى الورقة الأجمل والأنقى والأصفى، اختار العمل الأخلص والأطيب، وسأل الله تعالى فيه النجاة، فكانت الصخرة تنزاح قليلاً كلما دعا واحد منهم بطيب عمله، حتى انفرجت الصخرة تماماً عن الغار، وتحققت لهم النّجاة برحمة الله تعالى بهم، وبخير فعلوه وقدّموه يبتغون فيه وجه الله ورضوانه...


القصة رواها البخاري و مسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: ( بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر ،فمالوا إلى غار في الجبل ،فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل ،فأطبقت عليهم ،فقال بعضهم لبعض : انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة ،فادعوا الله بها لعله يفرجها ،فقال أحدهم : اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ،ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم ،فإذا رحت عليهم فحلبت ،بدأت بوالدي أسقيهما قبل ولدي ،وإنه ناء بي الشجر ،فما أتيت حتى أمسيت ،فوجدتهما قد ناما ،فحلبت كما كنت أحلب ،فجئت بالحِلاب ،فقمت عند رءوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما ،وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما ،والصبية يتضاغون عند قدمي ،فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر ،فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ،فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ،ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء ،وقال الثاني : اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء ،فطلبت إليها نفسها ،فأبت حتى آتيها بمائة دينار ،فسعيت حتى جمعت مائة دينار ،فلقيتها بها ،فلما قعدت بين رجليها قالت : يا عبد الله ،اتق الله ولا تفتح الخاتم ،فقمت عنها ،اللهم فإن كنت تعلم أني قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك ،فافرج لنا منها ،ففرج لهم فرجة ،وقال الآخر : اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفَرَقِ أَرُزٍّ ،فلما قضى عمله قال : أعطني حقي ،فعرضت عليه حقه ،فتركه ورغب عنه ،فلم أزل أزرعه ،حتى جمعت منه بقرا وراعيها ،فجاءني فقال : اتق الله ولا تظلمني ،وأعطني حقي ،فقلت : اذهب إلى ذلك البقر وراعيها ،فقال : اتق الله ولا تهزأ بي ،فقلت : إني لا أهزأ بك ،فخذ ذلك البقر وراعيها ،فأخذه فانطلق بها ،فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ،فافرج ما بقي ،ففرج الله عنهم ).


لم يدخل أولئك النفر الغار مفلسين، كانت في أعمارهم دائماً جوهرة ناصعة استحقت أن يحملوها معهم لعظيم قيمتها إلى كل مكان، وقد حملوها في قلوبهم، فيما فشل غيرهم في الحصول على جوهرة مماثلة، رغم كون الفرصة متاحة في الحياة للجميع بأن يحصّلوها، عملوا، ومن ثمّ دعوا الله فأنجاهم بدعائهم، وقبل الدعاء أنقذهم بصلاح أعمالهم وإخلاصهم، فلنفتش في أعمارنا عن جوهرتنا الخاصة، وإن لم نجد فلنبدأ منذ اللحظة رحلة جمع الجواهر، فمن يدري لحظة يطبق عليه الغار في حياته، من بوسعه أن ينقذه ويعينه، وأيّة عناية سترشده، وأيّ شعاعٍ سينير طريقه، إن لم يكن نور الله سبحانه!!

 
اضيف بواسطة :         رتبته (   غير مسجل )

التقييم: 0 /5 ( 0 صوت )


التعليقات : 1 تعليق

« إضافة مشاركة »

06-04-2011

wisal

[ 1 ]
اسمك
ايميلك
تعليقك
5 + 1 = أدخل الناتج

المقالات المتشابهة

المقال السابقة
مجتمعنا... دائم البحث عن العيوب!!
المقالات المتشابهة
المقال التالية
أمومة وأمّهات!

جديد قسم موقع نــور الجندلي

هكذا يعيشون.. بالكتاب...-قُطُوفُ المَقَال

تسجيل الدخول

اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني   
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
القائمة البريدية

اشتراك 

الغاء الاشتراك

مواعيد المحاضرات

الحج

Real Palyer استماع

شرح الاحاديث

Real Palyer استماع

توقيت مكة

 

تصميم : Graceful color   Powered by: mktbaGold 5.2