عرض مقالات :جنون البشر (( القصة الفائزة بالمركز الخامس ))

 

  الصفحة الرئيسية » بأقلامهم

اسم مقالات : جنون البشر (( القصة الفائزة بالمركز الخامس ))
كاتب مقالات : نور الخطيب


--
الفائزة الخامسة
نور الخطيب ( أنا ريحانة )
المشاركة قصة 
بعنوان جنون البشر
نالت 75/100


جنون البشر
لا أدري كيف حدث ذلك.. وكيف تغيرت حياتي من ابتسامة حلوة إلى نظرة حائرة تدور في الأفق لتبحث عن الأمل، وهل هناك أمل سوى أن ألتقي بأناس يريدون السعادة لمن فقدها، والحب لأناس جهلوه، والوفاء لأناس لم يعرفوه، ولوطن مزقته الخيانة التي سمحت للاحتلال أن يقيدوه.
في أيام جميلة في تلك القرية التي تربيت على ثراها الطاهر، ورغم قسوة الزمان والاحتلال، لم يفارق الأمل قلوبنا ولم تفارق البسمة وجوهنا، في ذلك اليوم الذي تناولت فيه طعام العشاء مع أمي الحنون وأبي المعطاء في جو مملوء بالسعادة، تراءى أمام ناظري نهرا متدفقا من العطاء الهاشمي الذي لا ينضب، ليكون شاهدا دافعا على جهود الهاشميين في الدفاع عن القدس وكرامتها، ليبقى هذا العطاء منقوشا في ذاكرة كل مسلم، عطاء توارثوه جيلا بعد جيل، بكل وعي وبصيرة وعدل وكبرياء، فلقد عاد لي شريط من ذكريات الأيام المسطرة بعبق دماء الهاشميين في هذه الأرض الطاهرة، حين وضعوا بصمة زخرفية في جدران المسجد الخارجية، وتركوا ألوانا ذهبية بديعة لقبة الصخرة المشرفة تشتاق العين لرؤيتها، وكما أزالوا ألوانا قاتمة خلفتها نيران الحقد الأسود، فلم أكن أعلم أن زمن الثورة المنتفضة الصارخة من خلف قبضان سجون الإحتلال ستعود، فها هم الهاشميون الأحرار ما زالوا يبثون في كل قطر من أقطار العالم معنى القضية وكيفية التحدث باسمنا، وأنه من حقنا أن ننعم بالحقوق الرسمية بقرارات شرعية دولية. 
فلا أنسى قول أبي عندما كنت أرى اغروراق الدمع في عينيه في كل صباح عندما يتصفح الجريدة اليومية: اسمع يا بني، ها أنت أصبحت شابا وأراك تكبر يوما بعد يوم، فلا تنس أني أسميتك قدس، كاسم المنطقة المباركة التي تعرضت لاضطهاد واحتراق على مدى الزمان، لكنها ما زالت حجر ناطق.. صرخة مدوية، ولأنني أريدك كما القدس كانت وستبقى، فإني أرى أنك من محرريها وأنك ستكون فخرا لهذه المدينة الصامدة في وسط الركام الأسود. 
ثم انطلقت إلى فراشي وأملي بغد جميل مشرق، ولكني لم أنم الكثير فقد نهضت على صوت بكاء.. صراخ.. صوت البنادق أصوات التشريد والدمار ما زالت عالقة في جدران ذاكرتي ، فحينها لم أميز ما هو ذاك الصوت تماما ؛ لأنه كان ممزوجا بكل أنواع الحزن والأسى وأصوات الدمار والتعذيب، أمي تقف مذعورة خائفة، أبي يترقب بحذر كل ما يجري، قطع تفكيري بمصدر ذاك الصوت حينما دُفع بابنا فجأة، فإذا بي أرى شخصا يلبس الزي العسكري وبيده بندقية تحارب السلام الذي يدعيه، ملامح وجهه تدل على القسوة والتجبر، وأخذ بيد والدي الذي أتعبته الحياة بوجود الاحتلال ولكنه صامد رغم كل التيارات القاسية التي تحيط به، أخذه وأوقفه في وسط القرية، وبدم بارد أطلق النار عليه، وفي أقل من ثانية انتقل والدي إلى جنات الخلود، وقفت حائرا في خضم هذه المعركة غير متكافئة الأطراف فلقد فقدت ركن العطاء الذي كان يعطيني كل أمل بنصر جديد وفجر وليد، وإذا بالمحتل الغاصب يقيدني وبالسلاسل يجرني إلى حيث يشاء، أمي تصرخ أسى وحسرة، نظرت إليها وودعتها بنظرات حزينة، ولكن أملي كبير بأني سأعود إلى حضنها مهما طال الزمان.
ماذا أفعل؟ لا أدري! ماذا تريد منا أيها الاحتلال الغاصب؟ ماذا تريد منا أيها الزمان الغادر الضائع بين السحب؟ لقد كانت هذه الكلمات والخواطر البائسة تعيش في قلبي وأنا في زنزانة مظلمة حقودة بجدرانها الجبانة الخائنة، في زنزانة منفردة وضعوني، وبأقذارهم عذبوني.
وما زاد حالتي حزنا هو حال تلك الفتاة التي تملأ عينيها الجميلتين الواسعتين مرارة العذاب والقهر واليأس وهي جالسة تدور الأحداث في رأسها، وفي حَيْرَتها عميقة الجذور فتح باب الجحيم نعم إنه أشبه بالجحيم، فتح باب زنزانتها وإذا بجنود الاحتلال الأنذال يدخلون عليها وغريزتهم الحيوانية تسبقهم، يقتربون منها كالوحوش الفاتكة وكل واحد منهم يشتهي لاغتصابها، إنهم يحاولون سرقة دفاتر أحلامها ويريدون أخذ أعز ما تملك، لقد ذاقت هذه الفتاة طعم الجوع والبرد وذاقت طعم الخوف، فأخذوا يسخرون منها وهي تصرخ بمرارة، ولكن دون جدوى فلقد أبوا أن يسمعوا النداء، فأمسكوا قيودها وجروها خارج الزنزانة بممرات تائهة كثيرة ومتعددة مظلمة، وأخذوا يقتربون من زنزانتي، ثم أدخلوها.
فوجئت بالمنظر المؤسف المؤلم لأختي العربية، اشتعلت غيرة على عرضي، و نظرت إليها وعيناها تتغلب على دموعها الحزينة، وأبت أن تنهمر على وجهها، أدركت أن لها قلبا حزينا كقلب عجوز يستند على عكاكيز من الهموم ويتقلب في ظلمات تيه الأيام في زمن الحياة الإنسانية المفقودة.
صرخت بأعلى صوتي: ما الذنب الذي اقترفته هذه الفتاة؟ ألم يكفكم ما فعلتم بالكون؟ شردتم شعوبا وشعوبا، شوهتم براءة الطفولة وحولتم أحلامهم الوردية وقلوبهم الخضراء إلى قلوب يملؤها الحقد والكراهية، قتلتم أطفالا أمام أمهاتهم وآباء أمام أطفالهم، فكيف تريدونني أن أظلم هذه الفتاة مكسورة الجناح؟! وانقضوا علي ضربا وتعذيبا، ورغم ما تعرضت له من أذى وأي أذى كان، إلا أن صوت العروبة لن ينطفئ من فؤادي أبدا، ثم قالت هذه الفتاة: لقد أيقظت كلمة الأمل وقتلت كلمة اليأس في أعماقي لقد وقفت معي ومع عروبتي وصرخت في وجوه هؤلاء المحتلين الخونة، وصراخ المعذبين في الأرض يأخذني والدفاتر المخبأة في خزانة رأسي كلها لتسجل كلمة الأمل والأخوة، ثم تابعت كلامها وقالت _والدموع تتناثر من عينيها كالسيل المنهمرلا يأس بعد اليوم ولا بد أن تشرق الشمس يوما ما ولو طال الإنتظار، ولكننا نعلم أن ولادة الأحرار في كنه السماء يجعل منهم أبطالا شجعان
مضت ثماني سنوات من التعذيب والإهانة في سجون الاحتلال، وإذا بذلك اليوم الذي فُتحت فيه بوابة الزنزانة، وانطلقت كلمة لاحت في سماء دنيتي أيقظت حياتي من جديد فراج انطلقت مسرعا أبحث عن ضوء الشمس الذي توارى خلف سجون الاحتلال فلم أستطع رؤيته، عدت إلى قريتي الجميلة، ولكنها لم تعد جميلة أصبحت حطاما ورمادا ولائحة الموت في كل مكان، وفي القدس نطق الحجر من شدة الألم، أسرعت إلى منزلي أبحث عن أمي، فإذا بها مستلقية على الفراش، يا ترى أهي نائمة؟ جلست أتأمل ضياء وجهها، كم تغيرت ملامحه الدافئة، لقد عانت ألم الحياة والوحدة، تبدو عليها شدة المرض، فتحت عينيها وقالت بصوت ضعيف وسعيد: أتيت يا قدس، اشتقت لك يا أغلى ما أملك ويا أعز من روحي، الحمد لله الذي وهبني رؤيتك في آخر حياتي، حضنتها حضنة لم أر لها مثيلا في الدنيا، وماتت وهي رافعة اليد متذللة الوجه، والعيون المنغمرة بالدموع تدعو الله أن يعينني في الحياة، فأصبحت أصرخ ;أميولكن لا جدوى لا أحد يجيب، أمي يا بلسما يداوي جراحي، يا ترياقا يناجي حنيني، يا جوهرة حب وحنان، استيقظي فطفلك عاد.. عاد ليرنوا بين أحضانك الدافئة، قولي لي: قدس، ما المواجهة التالية؟؟ لكن باءت صرخاتي المتوسلة لأمي الحنون بالفشل، وعندما أتت النساء لتغسيل أمي، ذهلوا بالمنظر الرائع، أمي نور يضيء الغرفة، دخلت مسرعا وقلت: نعم يا أماه، قد أتيت لأرى ما تركته لي من حب صدر حنون كان يحضنني تعالي يا أمي لأحضنك.
فكانت حياتي قطار جمع بين تشييع الجثمانين، فقبل دخولي سجن الاحتلال شيعت جثمان والدي، وبعد خروجي من سجن الاحتلال شيعت جثمان والدتي.
ونظرت إلى السماء التي تكبدت بدموع الشهداء ودماءهم وقلت: رحم الله أبا القاسم إذ قال:
ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر
ولاحت في نفسي عبارة جوفاء يا تر ى هل ستصبح القلوب يوما ليست ملكنا؟؟!
بتاريخ 01-12-2011


اضيف بواسطة :         رتبته (   غير مسجل )
التقييم: 0 /5 ( 0 صوت )

تاريخ الاضافة: 11-01-2012

الزوار: 1055

طباعة


التعليقات : 0 تعليق
« إضافة مشاركة »
اسمك
ايميلك
تعليقك
1 + 2 = أدخل الناتج

جديد قسم بأقلامهم
القائمة الرئيسة
تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني   
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
القائمة البريدية

اشتراك 

الغاء الاشتراك

أفيـاء مسكية
مواعيد المحاضرات

الحج

Real Palyer استماع

شرح الاحاديث

Real Palyer استماع

مكتبــة المسـك