شَظَايَا بَغدَادِيَّة

قضى نصفَ النّهارِ يفتّشُ في صَناديقِ الغُرفَةِ المُهملةِ، وصوتُ سُعاله يعلو مع تصاعدِ الغبارِ بين الأشياءِ القديمة، وكانتْ هي في الخارجِ تَرقُبه، وقلقٌ يزلزلُ كيانها.
تروحُ وتجيءٌ كأنما تقف أمام غرفة العناية المشددة، وزوجها السبعينيُّ مصرٌّ على تنفيذِ رَغبته.
نَفذَ صبرُها وصرخت به :
- إلى متى ستظلُّ تبحثُ عنهم؟ لقد رحلوا ولن يعودوا يوماً إلى بغداد.
خرجَ منتصراً وبيده صورة لأفراد العائلة الواحد والخمسين .
بطرفِ كمّه مسحَ عنها الغُبار، ناداها لتحدّق معه في وجوههم السّعيدة.
وقالَ وفي صوتهِ سكنَ الحنينُ :
- يمكنني الموتُ الآن مطمئناً، وسقفُ أجدادي يظلّني، وعائلتي كلها معي!
***
أسرَع إلى داخلِ غُرفته يعدو بخفّة؛ وقد أخفى شيئاً ما تحت ثيابه.
أغلقَ البابَ بسُرعة، فتبعتهُ عيناها تنظران من ثقبِ المفتاح .
احمرَّ وجهها وصرختْ به غضبى :
- أتنهبُ أرضكَ وتسرقُ أهلكَ من جديد أيها الولدُ الطائشُ؟
أجابها من خلف الباب :
- لكنّها آنيةٌ ثمينةٌ مهملةٌ في مبنى آيلٍ للسّقوط .
ركلت الباب بقدمها فأوجعتها، وبألمٍ قالت لأخيها :
- أعدها إلى مكانها فنحن لم نُخلق غربانا تقعُ على جيفة، إنما خلقنا الله نُسوراً تحلّقُ فوق هاماتهم، لتقتلعهم من أرضنا... وسيبقى الخيرُ لنا !
***
في غربته البعيدة وقف أمام النّافذة يتأمل صفاء السّماء ...
لحظات... ولمع شهابٌ في الأفق، عكس بريق الدمع على خدّيه.
ليتذكّر بحسرة سماءً أخرى في الوطن، تحتفلُ كل ليلة بوابلٍ من الشّهب المُحرقة.
أسرعَ إلى القبو، وأشعلَ شمعةً في المكان، نادى على زوجتهِ، وحملَ طفله الرّضيعُ، وابنتيهِ الصغيرتين، دثّرهم بأغطيةٍ كثيرةٍ، وقالَ بوجلٍ:
- بغدادُ الآن تعاني القصف !
***
نظرت في مرآتها الصّغيرة طويلاً، وأمسكتْ مشطَ جدّتها العاجيّ، ومررته على شعرها الحريري الفاحمِ، وترنمت بأغنيةٍ قديمةٍ، كانت تسمعها من أمها أيّام الطفولة، وقالت بفرح :
- تجمّلي كلّ يوم أيتها الحسناءُ، واستعدي لأميركِ القادم إليكِ على حصانهِ الأبيض.
قريباً... سيحررُ الوطنَ ويأتيكِ خاطباً، وستهدي له وردةً من شجرتكِ التي ستنمو من جديدٍ.
وسيُعمرَ أبناؤكِ العراقَ مجدداً، عندما يطردُ فارسكِ الجندي المحتلّ الأخير .
***
حاولت الأم أن تثني صغيرتها عن الإنصاتِ لأخبار القتلى والجرحى في التلفازِ، لكن الصغيرةَ كانتْ مرغمةً أن تغفو وتصحو كل صباحٍ على أصوات القصف، وأخبار الضحايا في وطنها الأسير...
ذاتَ مساءٍ...حملتْ دميتها الجميلةَ وهي تبكي.
لفّتها بخرقةٍ بيضاءَ، وضعتها في حُفرةٍ صغيرةٍ قرب المنزلِ، وأهالت عليها التُّراب،وازدادَ نحيبها …