| |
|
|
|
ريشتي ودواتي
 وتكتحلُ السماءُ بأجنحةِ الليل، وأخلدُ إلى قلمي... أبثُّ أحزاني القديمة وينصتُ هو، بكلِّ وفاء... تماماً كما كان من قبل... فهو يدركُ كم أحببته، وكم أخلصتُ له، وكم جزءاً من عمري اقتطعتُ لأغذّيه، وكم من حلمٍ بعيدٍ قد قطفتُ لأنمّيه. وهو يعلمُ أنّ الحبَّ عندي لا يأتي عابراً أبداً، فإن أحببتُ فإلى دائرة الضّوءِ أكشفُ أسبابَ حبي... وما أطيب الحبَّ وما أصفاهُ وما أنقـاه إن كان في الله... سيقولون بل ذلكَ حبّ المسلمِ لأخيه، فكيفَ تسبغين تلكَ الصفة على قطعة جماد لا تشعر، لا تحسُّ وليس لديها قلب يخفق!... وأقولُ بأن في القلم حياة تتجدد، بقدر المعاني التي تُسكب، والأهداف التي ينشدها صاحبه، فإن تعثّر الهدف، تاهت السّبل، وفُقد الضياء، وتلاشى البريق، فإذا به يتخبط في صفحاتٍ قاتمة. لا القلبُ يشرقُ في سماواتها، ولا بصيصُ النور يجدُ له كرسيّاً في فراغها. وهو الذي أحبّني صغيرة وكان كبيراً، فلما كبرتُ رعيته كطفلٍ صغيرٍ، وحمّلته أهدافي الكبيرة. وهو يدركُ أن الفراقَ بيننا كائنٌ لا محالة، إذا زلّت بنا الأقدام، فلا العيشُ يهنأ دون بركة إلهية، ولا الخيرُ يُرتجى وربُّ السموات والأرض غضبان. وهو الذي كتب فأُحصي عليَّ عبرهُ تاريخي، وهو الذي تتبعُ خطواتهُ، فيقودُ إلى جوهرٍ لا لبسَ فيه، وحقيقة لا مِراءَ فيها. وهو الذي ناجيتهُ مذ وُلد، واستحلفته بالله أن يبقى نقياً، وهو الذي استحلفني بالله ألا أكتب لغير رب العالمين، فطويتُ أحزاني ونفسي، ورميتُ حقائب الدنيا بعيداً، وكم سولت لي نفسي أن أعود، وأن أحتفظ لي بشيء من حروف، أغزلُ فيها نسيجاً رائعاً، وأقلّد فيها من اعتلوا قمم النجاح وصفّقوا لهم طويلاً، وكم قيّض الله لي في طريقي من يُعين، فيقولُ: بوسعي أن أعبر بكِ السّلم خطواتٍ بعيدة، فأقولُ لا، دعني أعيشُ تجربتي بنفسي، دعني أعاني، لأستحق شرف الإمساكِ بزمامِ القلم، دعني أصنع دربي بنفسي وإن تعبت، وإن تعثّرت بي الخطى، فيمضي وأمضي، قانعة بما وصلتُ إليه، شاكرة الله تعالى أن وهبني فضائله مما لا أحصي به ثناءً عليه. وكم غُلّقت أمامي السّبل، بكيدٍ كائدٍ، أو حسد حاسدٍ، فكانت كصخرة أطبقت عليّ في غارٍ بعيد... وإذا بي أفتشُ جعبتي الفقيرة، وألجأ إلى الله بخير ما كتبتُ وخير ما قصدتُ، وإذا بالصّخرة تنفرج، وإذا بالنّور ينبلج، وماذاكَ لكثرة خيرٍ فيَّ، وإنما كرم ربّ العالمين ورحمة منه بعباده. وبعد ذلك... أأشكُّ لحظةً في قلمي، وتفرّقنا الظنون؟! لا وربّي فما بيننا أوثقُ من أن يقطّع، وأسمى من أن يزول، وما الحياة إلا عواصف وأعاصير، زلازل ونكبات ومحن، وإني لأرجو الله أن أكون ممن صمد وصبر، والعاقبة للمتقين. سأمسحُ صفحاتِ حزني، وستغدو كلّ محنةٍ منحة، تقرّبني أكثر نحو الجوهر، وسيتجدد العهد بيننا على النقاء، فلا دنس ولا كدر، بل رسوخٌ وثبات، وثقة وإيمان، وكفى بها للكاتبِ من دواة لا تجف، وخير لا ينحسر!
|
| |
|
|